المنجي بوسنينة

259

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وفي مجال قواعد الانتقاد فقد جعلها على ثلاث درجات : الشرح والتبويب والحكم . وكان موقفه من التبويب قاطعا في التفريق بين الأجناس الأدبية وإن كانت فكرته عنها مشوشة . ثم وضع رتبا للشعر وطبقات ، وجعل « الحكم » الدرجة الأخيرة العالية في سلم النقد ووضع له خمس قواعد هي : نقد المقبول والمصنوع ، ونقد القائل والصانع ، ونقد المقول فيه والمحكي عنه ، ونقد الزمان ونقد المكان . ثم حدد الشروط العلمية والخلقية للناقد بما لا يخرج عن المرددات الكلاسية المألوفة . ثم وقف عند وظيفة النقد ورأى فيها ثلاثة أوجه : 1 - كشف أسرار الكاتب وميوله والمستور من حاله . 2 - منع الفوضى ومكافحة المشعوذين وسنّ شرع لكل كاتب عماده احترام القارئ . 3 - إدراك أوجه الجمال في الكلام . وبعد حوالي ثلاثين سنة من إنجاز الجزأين الأول والثاني أصدر عام 1935 الجزء الثالث ، وحاول فيه أن يطور المقولات السابقة ، وأوغل في التعريفات والتصنيفات والشروط إيغالا شديدا كأنما العملية هي تخطيط منطقي . ويبدو أن السنوات الثلاثين الماضيات والتطورات الأدبية التي حدثت فيها ، لم تغير شيئا في سكونية تقربه من موضوعه وعزمه على التخطيط الجازم لأشكال النقد وفنون الأدب . ويبقى كلامه كله طبعا في حدود نظرية النقد والأدب . وكما هو متوقع كانت محاولته الموازنة بين فنون الشعر أفضل مما كتبه في النثر والروايات . وكان أضعف ما في الكتاب طريقة المؤلف في شرح تقسيماته وتطبيقها والتمثيل لها ، « فكان كمعلم المنطق الذي يعرف أشكال القياس ولا يجيد تطبيقها » . [ صليبا ، اتجاهات . . . ، 91 ] . وفي هذا الجزء الثالث من الكتاب بحث مطوّل عن « الموازنة بين الألعوبة الإلهية ورسالة الغفران » [ ص 154 - 246 ] . وتنحو هذه الموازنة منحى تاريخيا ونقديا ومقارنيا ، وجداليا أيضا . وغرضه أن يثبت بصريح العبارة أن دانتي سرق « رسالة الغفران » من أبي العلاء المعري بعد أن اطلع عليها ، وأنه قصر عن شأوها وتخلف عنه في السمو والبيان . وفي المقدمة يذكر أنه منذ ثلاثين سنة خلت ، كان أول من نبه إلى اقتباس دانتي من المعري . وظل منذ ذلك الحين يتحين الفرص إلى أن اكتملت له هذه الدراسة . وتعتمد الدراسة فعلا على قراءة جادة للعملين العظيمين ، وعلى رسم ظروف نشأتهما وأهدافهما ، وعلى جمع الشواهد التاريخية لتأثر الألعوبة الإلهية برسالة الغفران ، وكذلك على اقتفاء بعض المشاهد عند دانتي وبيان مدى مطابقتها مع مشاهد المعري ، ويؤكد مثلا المشابهة بين جولات ابن القارح مع الشعراء وجولات فيرجيل ومشاهد الشعراء الوثنيين عند دانتي [ 3 / 209 ] . ويبدو الناقد العربي متحمسا جدا لقضيته وجازما ، ويخلط الشواهد التاريخية بالجدال والمنافحة . وعنده أن « الألعوبة الإلهية هي بنت رسالة الغفران ، لا يسترها ما ألقاه دانتي عليها من جلابيب الظلمات . وكان الأجدر به أن يسمي أبا العلاء قائده ومرشده ، لا فيرجيل . . . » [ 3 / 214 ] . وعلى الرغم من أن موضوع تأثر دانتي بأبي